الجصاص

7

أحكام القرآن

العلم يعلمون تأويل ما نصب لهم الدلالة عليه من المتشابه ، قائلين : ربنا آمنا به ، فصاروا معطوفين على ما قبله داخلين في حيزه ، وقد وجد مثله في الشعر ، قال يزيد بن مفرغ الحميري : وشريت بردا ليتني * من بعد برد كنت هامه فالريح تبكي شجوه * والبرق يلمع في الغمامة والمعنى : والبرق يبكي شجوه لامعا في الغمامة . وإذا كان ذلك سائغا في اللغة وجب حمله على موافقة دلالة الآية في وجوب رد المتشابه إلى المحكم ، فيعلم الراسخون في العلم تأويله إذا استدلوا بالمحكم على معناه . ومن جهة أخرى أن " الواو " لما كانت حقيقتها الجمع فالواجب حملها على حقيقتها ومقتضاها ، ولا يجوز حملها على الابتداء إلا بدلالة ، ولا دلالة معنا توجب صرفها عن الحقيقة ، فوجب استعمالها على الجمع . فإن قيل : إذا كان استعمال المحكم مقيدا بما في العقل ، وقد يمكن كل مبطل أن يدعي ذلك لنفسه فيبطل فائدة الاحتجاج بالمحكم . قيل له : إنما هو مقيد بما هو في تعارف العقول ، فيكون اللفظ مطابقا لما تعارفه العقلاء من أهل اللغة ، ولا يحتاج في استعمال حكم العقل فيه إلى مقدمات بل يوقع العلم لسامعه بمعنى مراده على الوجه الذي هو ثابت في عقول العقلاء دون عادات فاسدة قد جروا عليها ، فما كان كذلك فهو المحكم الذي لا يحتمل معناه إلا مقتضى لفظه وحقيقته ، فأما العادات الفاسدة فلا اعتبار بها . فإن قيل : كيف وجه اتباع من في قلبه زيغ ما تشابه منه دون ما أحكم ؟ قيل له : نحو ما روى الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت في وفد نجران لما حاجوا النبي صلى الله عليه وسلم في المسيح فقالوا : أليس هو كلمة الله وروح منه ؟ فقال : " بلى " فقالوا : حسبنا ! فأنزل الله ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ) ، ثم أنزل الله تعالى : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) [ آل عمران : 59 ] فصرفوا قوله : " كلمة الله " إلى ما يقولونه في قدمه مع الله وروحه ، صرفوه إلى أنه جزء منه قديم معه كروح الانسان ، وإنما أراد الله تعالى بقوله : " كلمة " أنه بشر به في كتب الأنبياء المتقدمين ، فسماه كلمة من حيث قدم البشارة به ، وسماه روحه لأن الله تعالى خلقه من غير ذكر بل أمر جبريل عليه السلام فنفخ في جيب مريم عليها السلام ، وأضافه إلى نفسه تعالى تشريفا له ، كبيت الله وسماء الله وأرضه ونحو ذلك . وقيل إنه سماه روحا كما سمى القرآن روحا بقوله تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) [ الشورى : 52 ] ،